محمد بن جرير الطبري

51

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

المقدس ، ثم يفعل فيه ما كان جده سنحاريب أراد أن يفعل ، فخرج في ست مئة ألف راية يريد أهل بيت المقدس ، فلما فصل سائرا أتى ملك بني إسرائيل الخبر أن بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم ، فأرسل الملك إلى إرميا ، فجاءه فقال : يا إرميا أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى إليك أن لا يهلك أهل بيت المقدس ، حتى يكون منك الامر في ذلك ؟ فقال إرميا للملك : إن ريي لا يخلف الميعاد ، وأنا به واثق . فلما اقترب الاجل ودنا انقطاع ملكهم وعزم الله على هلاكهم ، بعث الله ملكا من عنده ، فقال له : اذهب إلى إرميا فاستفته ، وأمره بالذي يستفتى فيه ، فأقبل الملك إلى إرمياء ، وكان قد تمثل له رجلا من بني إسرائيل ، فقال له إرميا : من أنت ؟ قال : رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري ، فأذن له ، فقال له الملك : يا نبي الله أتيتك أستفتيك في أهل رحمي ، وصلت أرحامهم بما أمرني الله به ، لم آت إليهم إلا حسنا ، ولم آلهم ( 1 ) كرامة ، فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطا لي ، فأفتني فيهم يا نبي الله ! فقال له : أحسن فيما بينك وبين الله ، وصل ما أمرك الله أن تصل ، وأبشر بخير وانصرف عنه . فمكث أياما ، أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي ، فقال له نبي الله : أو ما ظهرت لك أخلاقهم بعد ، ولم تر منهم الذي تحب ؟ فقال : يا نبي الله ، والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس لأهل رحمه إلا قد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك ، فقال النبي : ارجع إلى يجمعكم على مرضاته ، ويجنبكم سخطه ، فقال الملك من عنده ، فلبث أياما وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس ، ومعه خلائق من قومه كأمثال الجراد ، ففزع منهم بنو إسرائيل فزعا شديدا ، وشق ذلك على ملك بني إسرائيل ، فدعا إرميا ، فقال : يا بني الله أين ما وعدك الله ؟ فقال : إني بربي واثق . ثم إن الملك أقبل إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده ، فقعد بين يديه فقال له إرميا : من أنت ؟ قال : أنا الذي كنت أتيتك في شأن أهلي مرتين ، فقال له النبي : أولم يأن ( 2 ) لهم أن يمتنعوا من الذي هم فيه مقيمون عليه ؟ فقال له الملك : يا نبي الله ، كل شئ كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه ، وأعلم أن مأربهم في ذلك سخطي ، فلما أتيتهم اليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله ولا يحبه الله عز